فخر الدين الرازي

398

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تعالى وقال : أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ، الرابع : روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « أنه بقي أيوب في البلاء ثمان عشرة سنة حتى رفضه القريب والبعيد إلا رجلين ، ثم قال أحدهما لصاحبه لقد أذنب أيوب ذنبا ما أتى به أحد من العالمين ، ولولاه ما وقع في مثل هذا البلاء ، فذكروا ذلك / لأيوب عليه السلام ، فقال : لا أدري ما تقولان غير أن اللّه يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران اللّه تعالى فأرجع إلى بيتي فأنفر عنهما كراهية أن يذكر اللّه تعالى إلا في الحق » الخامس : قيل إن امرأته كانت تخدم الناس فتأخذ منهم قدر القوت وتجيء به إلى أيوب ، فاتفق أنهم ما استخدموها البتة وطلب بعض النساء منها قطع إحدى ذؤابتيها على أن تعطيها قدر القوت ففعلت ، ثم في اليوم الثاني ففعلت مثل ذلك فلم يبق لها ذؤابة . وكان أيوب عليه السلام إذا أراد أن يتحرك على فراشه تعلق بتلك الذؤابة ، فلما لم يجد الذؤابة وقعت الخواطر المؤذية في قلبه واشتد غمه ، فعند ذلك قال : أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ، السادس : قال في بعض الأيام : يا رب لقد علمت ما اجتمع على أمران إلا آثرت طاعتك ، ولما أعطيتني المال كنت للأرامل قيما ، ولابن السبيل معينا ، ولليتامى أبا ! فنودي من غمامة يا أيوب ممن كان ذلك التوفيق ؟ فأخذ أيوب التراب ووضعه على رأسه ، وقال منك يا رب ثم خاف من الخاطر الأول فقال : مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ وقد ذكروا أقوالا أخرى ، واللّه أعلم بحقيقة الحال ، وسمعت بعض اليهود يقول : إن لموسى بن عمران عليه السلام كتابا مفردا في واقعة أيوب ، وحاصل ذلك الكتاب أن أيوب كان رجلا كثير الطاعة للّه تعالى مواظبا على العبادة ، مبالغا في التعظيم لأمر اللّه تعالى والشفقة على خلق اللّه ، ثم إنه وقع في البلاء الشديد والعناء العظيم ، فهل كان ذلك لحكمة أم لا ؟ فإن كان ذلك لحكمة فمن المعلوم أنه ما أتى بجرم في الزمان السابق حتى يجعل ذلك العذاب في مقابلة ذلك الجرم ، وإن كان ذلك لكثرة الثواب فالإله الحكيم الرحيم قادر على إيصال كل خير ومنفعة إليه من غير توسط تلك الآلام الطويلة والأسقام الكريهة . وحينئذ لا يبقى في تلك الأمراض والآفات فائدة ، وهذه كلمات ظاهرة جلية وهي دالة على أن أفعال ذي الجلال منزهة عن التعليل بالمصالح والمفاسد ، والحق الصريح أنه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] . المسألة الثالثة : لفظ الآية يدل على أن ذلك النصب والعذاب إنما حصل من الشيطان ثم ذلك العذاب على القول الأول عبارة عما حصل في بدنه من الأمراض ، وعلى القول الثاني عبارة عن الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب إلقاء الوساوس ، وعلى التقديرين فيلزم إثبات الفعل للشيطان ، وأجاب أصحابنا رحمهم اللّه بأنا لا ننكر إثبات الفعل للشيطان لكنا نقول فعل العبد مخلوق للّه تعالى على التفصيل المعلوم . أما قوله تعالى : ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فالمعنى أنه لما شكا من الشيطان ، فكأنه سأل ربه أن يزيل عنه تلك البلية فأجابه اللّه إليه بأن قال له : ارْكُضْ بِرِجْلِكَ والركض هو الدفع القوي بالرجل ، ومنه ركضك الفرس ، والتقدير قلنا له أركض برجلك ، قيل إنه ضرب برجله تلك الأرض فنبعت عين فقيل : هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ أي هذا ماء تغتسل به فيبرأ باطنك ، وظاهر اللفظ يدل على أنه نبعت له عين واحدة من الماء اغتسل فيه وشرب منه . والمفسرون قالوا نبعت له / عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى ، فذهب الداء من ظاهره ومن باطنه بإذن اللّه ، وقيل ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها ثم باليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها .